صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

317

شرح أصول الكافي

الأخرى . وقوله عليه السلام : باين من خلقه ، اي يباين الخلق في نحو الوحدة فليست متباينة كمباينتهم ، فان مباينة زيد لعمرو في التشخصات المتباينة في الأمكنة والأوضاع ، فانّما مباينته لخلقه بأنه تام كامل وانهم ناقصون محتاجون إليه وبه تمامهم وغناهم . وقوله عليه السلام : وبذلك وصف نفسه ، إشارة إلى قوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ « 1 » ، وقوله : إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ « 2 » ، إشارة إلى أنه مع وحدته وتفرده لا يخلو منه شيء من الأشياء لأنه مقوّمه ومحصّل ذاته ، وبهذا يدفع الشبهات المذكورة . وقوله : بالاشراف والإحاطة والقدرة ، تنبيه على أنه ليس المراد بهذه الإحاطة ما يكون بحسب الوضع كما هي بين الأجسام التي بعضها في جوف بعض فإنها عين المغايرة ، بل ما يكون بحسب المعنى والحقيقة ، كإحاطة العلم بالمعلوم وإحاطة التام بالناقص وإحاطة القدرة وهي وجود القادر بما هو قادر بوجود المقدور بما هو مقدور ، إذ لا تفاوت بينهما الا بالتمام والنقص . وقوله : لا يَعْزُبُ . . . الآية ، كالنتيجة واللازم لما ذكره عليه السلام من قوله : وهو بكل شيء محيط ، لأنه إذا أحاط بكل شيء فلا يغيب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولذلك عقّبه بقوله : بالإحاطة والعلم ، اي بسببهما ، فمثال احاطته بكل شيء كمثال إحاطة علم أحد منا بأشياء كثيرة متباينة الوضع ، من جهة العلم بأسبابها ومباديها ، لكن علمه عين ذاته وعلمنا زائد على ذاتنا وعلمه تام وبكل شيء وعلمنا ناقص وببعض الأشياء ، وكما لا يلزم من علمنا بتلك الأشياء حصول شيء واحد بالعدد في أماكن متباينة الوضع كحصول جسم واحد في أماكن فوق واحد ، فكذلك لا يلزم فيه ، بل ذاته أشد إحاطة واشرف علما وأوسع وجودا وهو المراد من قوله : لا بالذات ، اي لا كإحاطة غيره بشيء بالذات ، فان علمه غير زائد على ذاته . فإذا كان علمه بكل شيء محيطا ، فهو بكل شيء محيط ، كما قال تعالى في القرآن ، الا ان العقول عاجزة عن تصور هذه الإحاطة وكذا عن تصور معيته بكل شيء كما

--> ( 1 ) - الشورى 11 . ( 2 ) - فصلت 54 .